محمد سعيد رمضان البوطي
291
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ولا لكرّ ولا لهرب ، وهو مع هذا أيضا يركضها إلى وجوههم وينوّه باسمه ليعرفه من لم يعرفه صلوات اللّه وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين ، وما هذا كله إلا ثقة باللّه وتوكلا عليه وعلما بأنه سينصره ويتمّ ما أرسله به ، ويظهر دينه على سائر الأديان » « 90 » . رابعا - خروج المرأة للجهاد مع الرجال : فأما خروجها لمداواة الجرحى وسقي العطاش ، فقد ثبت ذلك في الصحيح ، في عدة غزوات : وأما خروجها للقتال ، فلم يثبت في السّنة وإن كان الإمام البخاري قد ذكر في كتاب الجهاد بابا جعل عنوانه : باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال . إذ إن الأحاديث التي ساقها في هذا الباب ليس فيها ما يدل على اشتراك النساء مع الرجال في القتال ، قال ابن حجر : « ولم أر في شيء من ذلك ( أي الأحاديث الواردة في هذا الموضوع ) التصريح بأنهن قاتلن » « 91 » . أما ما ذكره الفقهاء في حكم خروج المرأة للقتال ، فهو أن العدو إن داهم بلدة من بلاد المسلمين وجب على جميع أهلها الخروج لقتاله بما فيهم النساء ، إن تأملنا منهن دفاعا وبلاء ، وإلا فلا يشرع ذلك « 92 » ، أما الخنجر الذي كان مع أم سليم فقد كان لمجرد الدفاع عن نفسها كما قالت . وعلى هذا ينزّل ما رواه البخاري وغيره عن عائشة رضي اللّه عنها أنها استأذنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في الجهاد ، فقال : « جهادكن الحج » ، فالمقصود الذي استأذنت به عائشة رضي اللّه عنها ، إنما هو المشاركة في القتال لا الحضور للمداواة والخدمة وما أشبه ذلك ، فهو مشروع ، إذا توفرت شروطه ، باتفاق . وعلى كل فإن خروج المرأة مع الرجال إلى الجهاد مشروط بأن تكون في حالة تامة من الستر والصيانة ، وأن يكون خروجها لحاجة حقيقية إلى ذلك ، فأما إذا لم تكن ثم حاجة حقيقية أو كان ذلك يعرضها للوقوع في المحرمات فخروجها محرم لا يجوز إقراره . والمهم أن تعلم أن الأحكام الإسلامية منوطة بعضها ببعض ، فلا ينبغي تخيّر ما توحي به الأهواء منها لأسباب معينة مع الإعراض عما يتعلق به من الأحكام والواجبات الأخرى . إن مثل هذا يعتبر بلا ريب مصداقا واضحا لقول اللّه تعالى : أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ ، وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [ البقرة 2 / 85 ] . ومن المكر القبيح لدين اللّه تعالى ما يعمد إليه بعض الناس لأغراض دنيوية حقيرة ، من
--> ( 90 ) تفسير ابن كثير : 2 / 45 ( 91 ) راجع فتح الباري : 6 / 51 ( 92 ) راجع مغني المحتاج : 4 / 219